محمد هادي معرفة
118
شبهات وردود حول القرآن الكريم
إنّ الأسرة هي المؤسّسة الأولى في الحياة الإنسانية ، وهي نقطة البدء التي تؤثّر في كلّ مراحل الطريق ، والتي تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني ، وهو أكرم عناصر هذا الكون في التصوّر الإسلامي . وإذا كانت المؤسّسات - التي هي أقلّ شأنا وأرخص سعرا كالمؤسّسات المالية والصناعية والتجارية وما إليها - لا توكل أمرها عادة إلّا للأكفاء من المرشّحين لها ممّن تخصّصوا في هذا الفرع علميا ودرّبوا عليه عمليّا فوق ما وهبوا من استعدادات طبيعية للإدارة والقوامة ، فالأولى أن تتبّع هذه القاعدة في مؤسّسة الأسرة التي تنشئ وتنشّأ أثمن عناصر الكون ، ذلك هو العنصر الإنساني . والمنهج الربّاني يراعي هذا ، ويراعي به الفطرة والاستعدادات الموهبة لشطري النفس - العقلاني والجسماني - لأداء الوظائف المنوطة بهما معا ، كما يراعي به العدالة في توزيع الأعباء على شطري الأسرة الواحدة ، والعدالة في اختصاص كلّ منهما بنوع الأعباء المهيّأ لها ، المعان عليها من فطرته واستعداداته المتميّزة المتفرّدة . والمسلّم به ابتداءً أنّ الرجل والمرأة كلاهما من خلق اللّه ، وأنّه تعالى لا يريد ظلما بأحد من خلقه ، وهو يهيّئ ويعدّه لوظيفة خاصّة ، ويمنحه الاستعدادات اللازمة لإحسان هذه الوظيفة . وقد خلق اللّه الناس ذكرا وأنثى زوجين على أساس القاعدة الكلّيّة في بناء هذا الكون . وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتّصال بينها وبين الرجل . وهي وظائف ضخمة وخطيرة وليست هيّنة ولا يسيرة ، بحيث يمكن أن تؤدّى بدون إعداد عضويّ ونفسيّ وعقليّ عميق غائر في كيان الأنثى . فكان جديرا أن ينوط بالشطر الآخر - الرجل - توفير الحاجات الضرورية ، وتوفير الحماية كذلك للأنثى كي تتفرّغ لأداء وظيفتها الخطيرة . ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثم هي التي تعمل وتكدّ وتسهر ليلا وتجهد نهارا لحماية نفسها وكفالة ولدها في آن واحد ! فكان عدلا كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضويّ والعصبيّ والعقليّ والنفسيّ ما يعينه على أداء وظائفه هذه الخطيرة أيضا . وكان هذا فعلا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً . « 1 »
--> ( 1 ) الكهف 18 : 49 .